الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
350
نفحات الولاية
بطن بمعنى الخفاء ومفهوم العبارة أنّ اللَّه مخفى في الأسرار ، وبعبارة أخرى فانّ ذاته أعظم خفاءاً من الخفاء ، وزبدة الكلام فان مفهوم العبارة ما أنشده الفيلسوف في شعره : وجوده من أظهر الأشياء * وكنهه في غاية الخفاء أمّا العبارة « دلت عليه أعلام الظهور » فتعني أنّ آياته ظاهرة جلية في كل مكان ، في السماوات والنجوم والمجرات والمنظومات وفي الأرض في الصحارى والبحارى والجبال والأنهار وعلى جبين كافة الكائنات الحية في أوراق الأشجار والبراعم والثمار وفي باطن الذرات والجزئيات . وبالطبع كلما تقدم العلم وكشفت الأسرار ازدادت الأدلة والآيات على قدرة الذات الإلهية وعلمها المطلق . والعبارة الثالثة « وامتنع على عين البصير » تفيد تعذر رؤية جماله سبحانه على أحدّ العيون ، وذلك لأنّ المشاهدة الحسية إنّما تختص بالجسم والجسمانيات ذات الجهة والمكان ، بينما ذاته المطلقة ليست بجسم ولا جسمانية وليس لها من جهة أو مكان ، بل هي مطلقة منزهة عن كل هذه العوارض والنقائص « لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » « 1 » . ولما سأل موسى عليه السلام من جانب بنيإسرائيل ربّه « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك » الشهود الحسي ، خوطب « لَنْ تَرانِي » « 2 » ثم شاهد موسى عليه السلام قبسات من تجليات اللَّه التي دكت الجبل فصعق موسى ومن معه فلما أفاق قال « سُبْحانَك تُبْتُ إِلَيْك وَأَنَا أَ وَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » والعبارة « فلا عين من لم يره . . . » نتيجة طبيعة تشير إلى أنّ العاقل لا يسعه إنكار الذات الإلهية المقدسّة بفعل وجود هذه الأدلة والآيات ، رغم تعذر المشاهدة الحسية ، أما المؤمنون باللَّه فلا ينبغي لهم أن يعتقدوا بمشاهدته حتى قلبياً ، وبالطبع يمكن رؤيته قلباً كما ورد عنه عليه السلام « لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان » « 3 » ، غير أنّ هذه المشاهدة تتعلق بالأسماء والصفات لا مشاهدة كنه الذات ، وهنا يصدح حتى أولياءاللَّه فضلًا عن عامة المخلوقات « ما عرفناك حق معرفتك » ثم قال عليه السلام : « سبق في العلو فلا شيء أعلى منه وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه » ثم يخلص علي عليه السلام
--> ( 1 ) سورة الأنعام / 103 . ( 2 ) سورة الأعراف / 143 . ( 3 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 179 .